فوزي آل سيف
89
من قصة الديانات والرسل
2/ قال بعض الباحثين أنه يُلحظ أنّ الأناجيلَ تركتْ ذِكْرَ عيسى ابن مريم بعد ولادته إلى بدء نبوته وهو في حدود الثلاثين سنة، وهذا مثير للغرابة. ويذهب هؤلاء إلى أنّ ذلك التركَ والإغفالَ متعمدٌ؛ ذلك لأنّ تلك الأناجيل المحرفة تمهّد لدعوى بنوة عيسى لله – تعالى الله – فلا يناسب هذه الدعوى عرض سيرة عيسى الذي كان يعمل ويكدح في النجارة وغيرها. فهذه الأناجيل أرادت نفي الحالة البشرية لعيسى كي لا تقع في تعارض بين كونه إلهًا أو قطعةً من الإله – بزعمهم – وبين بشريته وحاجاته المعاشية والبيولوجية. ثم إنه لما بلغ عيسى من العمر ثلاث عشرةَ سنةً – وهو سنّ التكليف عند اليهود – قيل إنه ختم أحكام التوراة وتعرّف عليها، وبدأ يعلّمها بأسلوبٍ متميزٍ يجمع بين رشاقة اللفظ ووضوح البيان. وأُمِر بإظهار رسالته والتبليغ بها وهو في حدود الثلاثين عامًا من عمره؛ وقد أجرى الله تعالى على يديه المعاجز المعروفة من إحياء الموتى، وإبراءِ العُمي والبُرصِ، وأنه ينبئ الناس بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، فطلب من الناس أن يتبعوه باعتباره صاحبَ شريعةٍ سماوية، إلى أنْ رفعه الله إليه وعمره ثلاثُ وثلاثون سنة. بلّغ عيسى بن مريم عليه السلام حقائق الشريعةِ التي أرسل بها؛ رافعًا عنهم بعض التحريمات سواء التي كانت من عنديات الكهنة وإدعاءاتهم، أو تلك التحريمات التي كانت في شريعة موسى عليه السلام بشكل مؤقت ولقومٍ معينين. يقول تعالى: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾[284]وتعاضد معه في تلك الفترة النبي الشهيد يحيى بن زكريا ابن خالة عيسى كما سيأتي الحديث عنه فيما بعد. كثُر المتأثرون بعيسى عليه السلام في زهده - الذي لم يألفه الناس في الكهنة والقساوسة - وفي أخلاقه وبيانه، وبالتالي كثُر أتباعه. لكن ثارتْ ثائرةُ اليهود ضده سيّما الفئة المترفة المتمصلحة من دولة الرومان المتمثلة في (الصدوقيين) والتي لم تكن تؤمن بشكل واضح بيوم الحساب والمعاد؛ حيث رأتْ في عيسى بن مريم خطرًا سيكشف انحرافهم، لا سيما وقد قيل إنه أخذ يناقشهم ببيان واضح وأدلة قوية في خطأ أفكارهم، وهذا ما أخافهم بأنه سوف يسلبهم الميزات التي اختصوا بها من الدولة الرومانية. بدأ الصدوقيون ببث التشكيك في نبوة عيسى بين الناس. لكنّ الكلمة الفصل كانت لتلك المعجزات التي أيده الله بها، والتي تُجرى مرارًا أمام مرأى الناس؛ فلم تنجح لغةُ التشكيك. فانتهج الصدوقيون أسلوب التحريض. حرّضوا السلطة الرومانية عليه؛ زاعمين أنه يغري بني إسرائيل بالانقلاب على حكومة الرومان عند الفرصة المواتية. ومن تحريضهم أنهم رتبوا اجتماعًا مع عيسى بن مريم في حضور الحاكم الروماني بقصد التضييق على النبي عيسى في أمر الضرائب والإتاوات التي يأخذها الحاكم الروماني من عامة الناس ظلمًا وعدوانًا.
--> 284 آل عمران: 50